القرطبي
63
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الرابعة - أكثر العلماء على أن هذا ناسخ لما كان عليه الصلاة والسلام عاهد عليه قريشا ، من أنه يرد إليهم من جاءه منهم مسلما ، فنسخ من ذلك النساء . وهذا مذهب من يرى نسخ السنة بالقرآن . وقال بعض العلماء : كله منسوخ في الرجال والنساء ، ولا يجوز أن يهادن الامام العدو على أن يرد إليهم من جاءه مسلما ، لان إقامة المسلم بأرض الشرك لا تجوز . وهذا مذهب الكوفيين . وعقد الصلح على ذلك جائز عند مالك . وقد احتج الكوفيون لما ذهبوا إليه من ذلك بحديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن خالد بن الوليد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى قوم من خثعم فاعتصموا بالسجود فقتلهم ، فوداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بنصف الدية ، وقال " أنا برئ من كل مسلم أقام مع مشرك في دار الحرب لا تراءى نارهما ( 1 ) قالوا : فهذا ناسخ لرد المسلمين إلى المشركين ، إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد برئ ممن أقام معهم في دار الحرب . ومذهب مالك والشافعي أن هذا الحكم غير منسوخ . قال الشافعي : وليس لاحد هذا العقد إلا الخليفة أو رجل يأمره ، لأنه يلي الأموال كلها . فمن عقد غير الخليفة هذا العقد فهو مردود . الخامسة - قوله تعالى : ( الله أعلم بإيمانهن ) أي هذا الامتحان لكم ، والله أعلم بإيمانهن ، لأنه متولي السرائر . ( فإن علمتموهن مؤمنات ) أي بما يظهر من الايمان . وقيل : إن علمتموهن مؤمنات قبل الامتحان ( فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ) أي لم يحل الله مؤمنة لكافر ، ولا نكاح مؤمن لمشركة . وهذا أدل دليل على أن الذي أوجب فرقة المسلمة من زوجها إسلامها لا هجرتها . وقال أبو حنيفة : الذي فرق بينهما هو اختلاف الدارين . وإليه إشارة في مذهب مالك
--> ( 1 ) الأصل في " تراءى " تتراءى . والترائي تفاعل من الرؤية ، يقال : تراءى القوم إذا رأى بعضهم بعضا وإسناد الترائي إلى النارين مجاز . أي يلزم المسلم ويجب عليه أن يباعد منزله عن منزل المشرك ، ولا ينزل بالموضع الذي إذا أوقدت فيه ناره تلوح وتظهر لنار المشرك إذا أوقدها في منزله . ولكنه ينزل مع المسلمين في دارهم . وإنما كره مجاورة المشركين لأنهم لا عهد لهم ولا أمان وحث المسلمين على الهجرة . ( عن نهاية ابن الأثير ) .